فصل: الْبَحْثُ وَالسُّؤَالُ فِي الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين



.الْبَحْثُ وَالسُّؤَالُ فِي الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ:

اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَدَّمَ إِلَيْكَ طَعَامًا أَوْ هَدِيَّةً أَوْ أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ أَوْ تَتَّهِبَ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُفَتِّشَ عَنْهُ وَتَسْأَلَ وَتَقُولَ هَذَا مِمَّا لَا أَتَحَقَّقُ حِلَّهُ فَلَا آخُذُهُ بَلْ أُفَتِّشُ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَكَ أَيْضًا أَنْ تَتْرُكَ الْبَحْثَ مُطْلَقًا، بَلِ السُّؤَالُ لَابُدَّ مِنْهُ مِنْ مَوَاقِعِ الرِّيبَةِ، وَمَنْشَأُ الرِّيبَةِ بِالنِّسْبَةِ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَكُونَ مَشْكُوكًا فِيهِ أَوْ مَعْلُومًا بِنَوْعٍ ظَنِّيٍّ يَسْتَنِدُ إِلَى دَلَالَةٍ.
وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ أَنْ يَخْتَلِطَ حَرَامُهُ بِحَلَالِهِ وَيَكُونَ الْحَرَامُ أَكْثَرَ مِنْ يَقِينِ وَجُودِهِ.
فَإِذَا كَانَ الْحَرَامُ هُوَ الْأَقَلُّ وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ لَمْ يَكُنِ الْأَكْلُ حَرَامًا وَلَكِنَّ السُّؤَالَ احْتِيَاطٌ وَالِامْتِنَاعَ عَنْهُ وَرَعٌ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا، فَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِأَنَّهُ لَيْسَ يَدْرِي طَرِيقَ كَسْبِ الْحَلَالِ أَوْ بِأَنَّهُ لَا ثِقَةَ فِي أَخْبَارِهِ وَأَمَانَتِهِ فَلْيُسْأَلْ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا أَخْبَرَهُ عَدْلٌ وَاحِدٌ قَبْلَهُ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ فَاسْقٌ عَلِمَ مِنْ قَرِينَةِ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَكْذِبُ حَيْثُ لَا غَرَضَ لَهُ فِيهِ جَازَ قَبُولُهُ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ ثِقَةُ النَّفْسِ وَالْمُفْتِي هُوَ الْقَلْبُ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَضْعِ.
وَلِلْقَلْبِ الْتِفَاتَاتٌ إِلَى قَرَائِنَ خَفِيَّةٍ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ النُّطْقِ فَلْيَتَأَمَّلْ فِيهِ فَإِذَا اطْمَأَنَّ الْقَلْبُ كَانَ الِاحْتِرَازُ حَتْمًا وَاجِبًا.

.كَيْفِيَّةُ خُرُوجِ التَّائِبِ مِنَ الْمَظَالِمِ الْمَالِيَّةِ:

اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَابَ وَفِي يَدِهِ مَالٌ مُخْتَلِطٌ فَعَلَيْهِ وَظِيفَةٌ فِي تَمْيِيزِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجِهِ، وَوَظِيفَةٌ أُخْرَى فِي مَصْرِفِ الْمُخْرَجِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِمَا:
النَّظَرُ الْأَوَّلُ: فِي كَيْفِيَّةِ التَّمْيِيزِ وَالْإِخْرَاجِ: مَنْ تَابَ وَفِي يَدِهِ مَا هُوَ حَرَامٌ مَعْلُومُ الْعَيْنِ فِي غَصْبٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَمْرُهُ سَهْلٌ فَعَلَيْهِ تَمْيِيزُ الْحَرَامِ؛ وَإِنْ كَانَ مُلْتَبِسًا مُخْتَلِطًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْحُبُوبِ وَالنُّقُودِ وَالْأَدْهَانِ، أَوْ يَكُونَ فِي أَعْيَانٍ مُتَمَايِزَةٍ كَالدُّورِ وَالثِّيَابِ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ أَوْ كَانَ شَائِعًا فِي الْمَالِ كُلِّهِ كَمَنِ اكْتَسَبَ الْمَالَ بِتِجَارَةٍ كَذَبَ فِي بَعْضِهَا، وَكَمَنَ غَصَبَ دُهْنًا وَخَلَطَهُ بِدُهْنِ نَفْسِهِ وَفَعَلَ ذَلِكَ فِي الْحُبُوبِ أَوِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ مِثْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ جُمْلَةِ مَالِهِ حَرَامٌ فَعَلَيْهِ تَمْيِيزُ النِّصْفِ، وَإِنْ أَشْكَلَ فَلَهُ طَرِيقَانِ:
الْأَخْذُ بِالْيَقِينِ، وَالْأُخْرَى الْأَخْذُ بِغَالِبِ الظَّنِّ، وَالْوَرَعُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى فَلَا يَسْتَبْقِي إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَلَالٌ.
فَأَمَّا إِذَا اشْتَبَهَ دَارٌ أَوْ ثَوْبٌ بِأَمْثَالِهِمْ وَكَانَ فِيهِمَا تَفَاوُتٌ أَخَذَ الْحَاكِمُ مِنْ طَالِبِ بَيْعِهَا قِيمَةَ الْأَنْفُسِ وَصَرَفَ إِلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْهُ مِقْدَارَ قِيمَةِ الْأَقَلِّ، وَيُوقِفُ قَدْرَ التَّفَاوُتِ إِلَى الْبَيَانِ وَالِاصْطِلَاحِ.
مَسْأَلَةٌ:
مَنْ وَرِثَ مَالًا وَلَمْ يَدْرِ: مُوَرِّثُهُ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَلَامَةٌ فَهُوَ حَلَالٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِ حَرَامًا وَشَكَّ فِي قَدْرِهِ أَخْرَجَ مِقْدَارَ الْحَرَامِ بِالتَّحَرِّي.
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ بَعْضَ مَالِهِ كَانَ مِنَ الظُّلْمِ فَيَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ ذَلِكَ الْقَدْرِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَلْزَمُهُ وَالْإِثْمُ عَلَى الْمُوَرِّثِ.
النَّظَرُ الثَّانِي فِي الْمَصْرِفِ: فَإِذَا أَخْرَجَ الْحَرَامَ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ فَيَجِبُ الصَّرْفُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى وَارِثِهِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَيَنْتَظِرُ حُضُورَهُ أَوِ الْإِيصَالَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ زِيَادَةٌ وَمَنْفَعَةٌ فَلِتَجَمُّعِ فَوَائِدِهِ إِلَى وَقْتِ حُضُورِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَالِكٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَقَعَ الْيَأْسُ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى عَيْنِهِ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مَاتَ عَنْ وَارِثٍ أَمْ لَا، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ الرَّدُّ فِيهِ لِلْمَالِكِ وَيُوقَفُ حَتَّى يَتَّضِحَ الْأَمْرُ فِيهِ، وَرُبَّمَا لَا يُمْكِنُ الرَّدُّ لِكَثْرَةِ الْمُلَّاكِ فَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ لِئَلَّا يَضِيعَ وَتَفُوتَ الْمَنْفَعَةُ عَلَى الْمَالِكِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا.

.كِتَابُ آدَابِ الْأُلْفَةِ وَالْأُخُوَّةِ وَالصُّحْبَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ مَعَ أَصْنَافِ الْخَلْقِ:

.فَضِيلَةُ الْأُلْفَةِ وَالْأُخُوَّةِ:

اعْلَمْ أَنَّ الْأُلْفَةَ ثَمَرَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَالتَّفَرُّقَ ثَمَرَةُ سُوءِ الْخُلُقِ، فَحُسْنُ الْخُلُقِ يُوجِبُ التَّحَابَّ وَالتَّآلُفَ وَالتَّوَافُقَ، وَسُوءُ الْخُلُقِ يُثْمِرُ التَّبَاغُضَ وَالتَّحَاسُدَ وَالتَّدَابُرَ.
وَحُسْنُ الْخُلُقِ لَا يَخْفَى فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ وَهُوَ الَّذِي مَدَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ قَالَ: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [الْقَلَمِ: 4].
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ».
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ».
وَلَا يَخْفَى أَنَّ ثَمَرَةَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ الْأُلْفَةُ وَانْقِطَاعُ الْوَحْشَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى نَفْسِ الْأُلْفَةِ، سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الرَّابِطَةُ هِيَ التَّقْوَى وَالدِّينَ وَحُبَّ اللَّهِ، مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَمَقْنَعٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُظْهِرًا عَظِيمَ مِنَّتِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آلِ عِمْرَانَ: 103] أَيْ بِالْأُلْفَةِ، وَذَمَّ التَّفْرِقَةَ وَزَجَرَ عَنْهَا فَقَالَ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آلِ عِمْرَانَ: 103] وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا الْمُوَطَّؤُونَ أَكْنَافًا الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ».
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ آلِفٌ مَأْلُوفٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ».
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا رَزَقَهُ خَلِيلًا صَالِحًا إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ».
وَعَنْهُ: «مَا تَحَابَّ اثْنَانِ فِي اللَّهِ إِلَّا كَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَى اللَّهِ أَشَدَّهُمَا حُبًّا لِصَاحِبِهِ».
وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينِ يَتَزَاوَرُونَ مِنْ أَجْلِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينِ يَتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينِ يَتَبَاذَلُونَ مِنْ أَجْلِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينِ يَتَنَاصَرُونَ مِنْ أَجْلِي».
وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَى اللَّهِ الَّذِينَ يَأْلَفُونَ أَوْ يُؤْلَفُونَ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَى اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِخْوَانِ».
وَمِنَ الْآثَارِ مَا رُوِيَ عَنِ الفضيل رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: هَاهْ، تُرِيدُ أَنْ تَسْكُنَ الْفِرْدَوْسَ وَتُجَاوِرَ الرَّحْمَنَ فِي دَارِهِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِأَيِّ عَمَلٍ عَمِلْتَهُ، بِأَيِّ شَهْوَةٍ تَرَكْتَهَا، بِأَيِّ غَيْظٍ كَظَمْتَهُ، بِأَيِّ رَحِمٍ وَصَلْتَهَا، بِأَيِّ زَلَّةٍ لِأَخِيكَ غَفَرْتَهَا، بِأَيِّ قَرِيبٍ بَاعَدْتَهُ فِي اللَّهِ، بِأَيِّ بَعِيدٍ قَارَبْتَهُ فِي اللَّهِ وَقَالَ أَيْضًا: نَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى وَجْهِ أَخِيهِ عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ عِبَادَةٌ.

.تَحْقِيقُ الْمَحَبَّةِ فِي اللَّهِ:

هُوَ أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ لِذَاتِهِ بَلْ إِلَى حُظُوظِهِ الْأُخْرَوِيَّةِ مِنْهُ كَمَنْ يُحِبُّ أُسْتَاذَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى تَحْصِيلِ وَتَحْسِينِ الْعَمَلِ، وَمَقْصُودُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ الْفَوْزُ فِي الْآخِرَةِ، فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُحِبِّينَ فِي اللَّهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ يُحِبُّ تِلْمِيذَهُ لِأَنَّهُ يَتَلَقَّفُ مِنْهُ الْعِلْمَ وَيَنَالُ بِوَاسِطَتِهِ رُتْبَةَ التَّعْلِيمِ فَهُوَ مُحِبٌّ فِي اللَّهِ، بَلِ الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِأَمْوَالِهِ لِلَّهِ وَيَجْمَعُ الضِّيفَانَ وَيُهَيِّئُ لَهُمُ الْأَطْعِمَةَ اللَّذِيذَةَ الْغَرِيبَةَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ فَأَحَبَّ طَبَّاخًا لِحُسْنِ صَنْعَتِهِ فِي الطَّبْخِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحِبِّينَ فِي اللَّهِ، وَكَذَا لَوْ أَحَبَّ مَنْ يَتَوَلَّى لَهُ إِيصَالَ الصَّدَقَةِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ فِي اللَّهِ، أَوْ أَحَبَّ مَنْ يَخْدُمُهُ بِنَفْسِهِ فِي غَسْلِ ثِيَابِهِ وَكَنْسِ بَيْتِهِ وَطَبْخِ طَعَامِهِ، وَيُفَرِّغُهُ بِذَلِكَ لِلْعِلْمِ أَوِ الْعَمَلِ وَمَقْصُودُهُ مِنِ اسْتِخْدَامِهِ فِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْفَرَاغُ لِلْعِبَادَةِ فَهُوَ مُحِبٌّ فِي اللَّهِ، أَوْ أَحَبَّ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَيُوَاسِيهِ بِكُسْوَتِهِ وَطَعَامِهِ وَمَسْكَنِهِ وَجَمِيعِ أَغْرَاضِهِ الَّتِي يَقْصِدُهَا فِي دُنْيَاهُ، وَمَقْصُودُهُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الْفَرَاغُ لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ الْمُقَرِّبِ إِلَى اللَّهِ فَهُوَ مُحِبٌّ فِي اللَّهِ، فَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ تَكَفَّلَ بِكِفَايَتِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أُولِي الثَّرْوَةِ وَكَانَ الْمُوَاسِي وَالْمُوَاسَى جَمِيعًا مِنَ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ، وَكَذَا مَنْ نَكَحَ امْرَأَةً صَالِحَةً لِيَتَحَصَّنَ بِهَا عَنْ وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ وَيَصُونَ بِهَا دِينَهُ أَوْ لِيُولَدَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ صَالِحٌ أَوْ أَحَبَّ زَوْجَتَهُ لِأَنَّهَا آلَةٌ إِلَى هَذِهِ الْمَقَاصِدِ الدِّينِيَّةِ فَهُوَ مُحِبٌّ فِي اللَّهِ، وَكَذَا إِذَا اجْتَمَعَ فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَالدُّنْيَا كَمَنْ أَحَبَّ مَنْ يُعَلِّمُهُ الدِّينَ وَيَكْفِيهِ مُهِمَّاتِ الدُّنْيَا بِالْمُوَاسَاةِ فِي الْمَالِ فَهُوَ مُحِبٌّ فِي اللَّهِ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ حُبِّ اللَّهِ أَنْ لَا يُحَبَّ فِي الْعَاجِلِ حَظٌّ الْبَتَّةَ، إِذِ الدُّعَاءُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [الْبَقَرَةِ: 201].
وَفِي الْمَأْثُورِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً أَنَالُ بِهَا شَرَفَ كَرَامَتِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
ثُمَّ إِذَا قَوِيَ الْحُبُّ فِي اللَّهِ حُمِلَ عَلَى الْمُوَالَاةِ وَالنُّصْرَةِ وَالذَّبِّ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَاللِّسَانِ، وَتَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِيهِ بِحَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي حُبِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَّا أَنَّهُ يُمْتَحَنُ الْحُبُّ بِالْمُقَابَلَةِ بِحُظُوظِ النَّفْسِ، وَقَدْ يَغْلِبُ بِحَيْثُ لَا يُبْقِي لِلنَّفْسِ حَظًّا إِلَّا فِيمَا هُوَ حَظُّ الْمَحْبُوبِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحُبُّ بِحَيْثُ يُتْرَكُ بِهِ بَعْضُ الْحُظُوظِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِأَنْ يُشَاطِرَ مَحْبُوبَهُ فِي نِصْفِ مَالِهِ أَوْ فِي ثُلُثِهِ أَوْ فِي عُشْرِهِ، فَمَقَادِيرُ الْأَمْوَالِ مَوَازِينُ الْمَحَبَّةِ؛ إِذْ لَا يُعْرَفُ دَرَجَةُ الْمَحْبُوبِ إِلَّا بِمَحْبُوبٍ يُتْرَكُ فِي مُقَابَلَتِهِ، فَمَنِ اسْتَغْرَقَ الْحُبُّ جَمِيعَ قَلْبِهِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَحْبُوبٌ سِوَاهُ، فَلَا يُمْسِكُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ سَلَّمَ ابْنَتَهُ الَّتِي هِيَ قُرَّةُ عَيْنِهِ وَبَذَلَ جَمِيعَ مَالِهِ. فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ مَنْ أَحَبَّ عَالِمًا أَوْ عَابِدًا أَوْ أَحَبَّ شَخْصًا رَاغِبًا فِي عِلْمٍ أَوْ فِي عِبَادَةٍ أَوْ فِي خَيْرٍ فَإِنَّمَا أَحَبَّهُ فِي اللَّهِ وَلِلَّهِ، وَلَهُ فِيهِ مِنَ الْأُجْرَةِ وَالثَّوَابِ بِقَدْرِ قُوَّةِ حُبِّهِ.

.بَيَانُ الْبُغْضِ فِي اللَّهِ:

اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُحِبُّ فِي اللَّهِ لَابُدَّ أَنْ يُبْغِضَ فِي اللَّهِ، فَإِنَّكَ إِنْ أَحْبَبْتَ إِنْسَانًا لِأَنَّهُ مُطِيعٌ لِلَّهِ وَمَحْبُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنْ عَصَاهُ فَلَابُدَّ أَنْ تُبْغِضَهُ لِأَنَّهُ عَاصٍ لِلَّهِ وَمَمْقُوتٌ عِنْدَ اللَّهِ.
وَمِنْ أَحَبَّ لِسَبَبٍ فَبِالضَّرُورَةِ يُبْغِضُ لِضِدِّهِ. وَإِظْهَارُ الْبُغْضِ يَكُونُ بِكَفِّ اللِّسَانِ عَنْ مُكَالَمَتِهِ وَمُحَادَثَتِهِ وَالْإِعْرَاضِ وَالتَّبَاعُدِ عَنْهُ وَقِلَّةِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ أَوْ بِالِاسْتِخْفَافِ وَالتَّغْلِيظِ فِي الْقَوْلِ وَذَلِكَ بِحَسَبِ دَرَجَاتِ الْفِسْقِ وَالْمَعْصِيَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ؛ أَمَّا مَا يَجْرِي مَجْرَى الْهَفْوَةِ الَّتِي يَعْلَمُ أَنَّهُ مُتَنَدِّمٌ عَلَيْهَا وَلَا يُصِرُّ عَلَيْهَا فَالْأَوْلَى فِيهِ السَّتْرُ وَالْإِغْمَاضُ.

.الصِّفَاتُ الْمَشْرُوطَةُ فِيمَنْ تَخْتَارُ صُحْبَتَهُ:

اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلصُّحْبَةِ كُلُّ إِنْسَانٍ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» وَلَابُدَّ أَنْ يَتَمَيَّزَ بِخِصَالٍ وَصِفَاتٍ يَرْغَبُ بِسَبَبِهَا فِي صُحْبَتِهِ، وَجُمْلَتُهَا أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا حَسَنَ الْخُلُقِ غَيْرَ فَاسِقٍ وَلَا حَرِيصٍ عَلَى الدُّنْيَا.
أَمَّا الْعَقْلُ فَهُوَ رَأْسُ الْمَالِ وَهُوَ الْأَصْلُ فَلَا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ الْأَحْمَقِ، فَإِلَى الْوَحْشَةِ وَالْقَطِيعَةِ تَرْجِعُ عَاقِبَتُهَا وَإِنْ طَالَتْ، وَقَدْ قِيلَ: مُقَاطَعَةُ الْأَحْمَقِ قُرْبَانٌ إِلَى اللَّهِ.
وَأَمَّا حُسْنُ الْخُلُقِ فَلَابُدَّ مِنْهُ، فَإِنَّ مَنْ غَلَبَهُ غَضَبٌ أَوْ شَهْوَةٌ أَوْ بُخْلٌ أَوْ جُبْنٌ وَأَطَاعَ هَوَاهُ فَلَا خَيْرَ فِي صُحْبَتِهِ.
وَأَمَّا الْفَاسِقُ الْمُصِرُّ عَلَى فِسْقِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي صُحْبَتِهِ، بَلْ مُشَاهَدَتُهُ تُهَوِّنُ أَمْرَ الْمَعْصِيَةِ عَلَى النَّفْسِ وَتُبْطِلُ نُفْرَةُ الْقَلْبِ عَنْهَا، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ لَا تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُ وَلَا يُوثَقُ بِصَدَاقَتِهِ بَلْ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَغْرَاضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الْكَهْفِ: 28]، وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النَّجْمِ: 29]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [لُقْمَانَ: 15] وَفِي مَفْهُومِ ذَلِكَ زَجْرٌ عَنِ الْفَاسِقِ.
وَأَوْصَى علقمة ابْنَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا عَرَضَتْ لَكَ إِلَى صُحْبَةِ الرِّجَالِ حَاجَةٌ فَاصْحَبْ مَنْ إِذَا خَدَمْتَهُ صَانَكَ، وَإِنْ صَحِبْتَهُ زَانَكَ، وَإِنْ قَعَدَتْ بِكَ مَؤُونَةٌ مَانَكَ، وَاصْحَبْ مَنْ إِذَا مَدَدْتَ يَدَكَ بِخَيْرٍ مَدَّهَا، وَإِنْ رَأَى مِنْكَ حَسَنَةً عَدَّهَا، وَإِنْ رَأَى سَيِّئَةً سَدَّهَا. اصْحَبْ مَنْ إِذَا سَأَلْتَهُ أَعْطَاكَ، وَإِنْ سَكَتَّ ابْتَدَاكَ، وَإِنْ نَزَلَتْ بِكَ نَازِلَةٌ وَاسَاكَ، اصْحَبْ مَنْ إِذَا قُلْتَ صَدَّقَ قَوْلَكَ، وَإِنْ حَاوَلْتَ أَمْرًا آمَرَكَ، وَإِنْ تَنَازَعْتُمَا آثَرَكَ. قَالَ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
إِنَّ أَخَاكَ الْحَقَّ مَنْ كَانَ مَعَكَ ** وَمَنْ يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنْفَعَكَ

وَمَنْ إِذَا رَيْبُ زَمَانٍ صَدَّعَكَ ** شَتَّتَ فِيهِ شَمْلَهُ لِيَجْمَعَكَ

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا تَصْحَبْ إِلَّا أَحَدَ رَجُلَيْنِ: رَجُلًا تَرْتَفِقُ بِهِ فِي أَمْرِ دُنْيَاكَ أَوْ رَجُلًا تَزِيدُ مَعَهُ وَتَنْتَفِعُ بِهِ فِي أَمْرِ آخِرَتِكَ، وَالِاشْتِغَالُ بِغَيْرِ هَذَيْنِ حُمْقٌ كَبِيرٌ، وَأَمَّا الْحَرِيصُ عَلَى الدُّنْيَا فَصُحْبَتُهُ سُمٌّ قَاتِلٌ؛ لِأَنَّ الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّشَبُّهِ وَالِاقْتِدَاءِ، بَلِ الطَّبْعُ يَسْرِقُ مِنَ الطَّبْعِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي صَاحِبُهُ، فَمُجَالَسَةُ الْحَرِيصِ عَلَى الدُّنْيَا تُحَرِّكُ الْحِرْصَ، وَمُجَالَسَةُ الزَّاهِدِ تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا، فَلِذَلِكَ تُكْرَهُ صُحْبَةُ طُلَّابِ الدُّنْيَا وَتُطْلَبُ صُحْبَةُ الْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ، قَالَ لقمان «لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ جَالِسِ الْعُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ فَإِنَّ الْقُلُوبَ لَتَحْيَا بِالْحِكْمَةِ كَمَا تَحْيَا الْأَرْضُ الْمَيِّتَةُ بِوَابِلِ الْمَطَرِ».